كلمة السيد أحمد أويحيى، الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي
لدى افتتاح الدورة العادية الثانية للمجلس الوطني للحزب
زرالدة، يوم الخميس 15 ديسمبر 2016.


بسم الله الرحمن الرحيم


سيداتي، سادتي أعضاء المجلس الوطني،
يسعدني، باسم أعضاء المكتب الوطني وباسمي الخاص، أن أرحب بكم ترحيبا حارا وأخويا، وأن أرحب كذلك بممثلي أسرة الإعلام الذين شرفونا بتغطية هذا اللقاء.
تأتي دورة المجلس الوطني هذه، التي تنعقد للمرة الثانية منذ المؤتمر الذي جمعنا في ماي الفارط، بعد أشهر من النشاط المكثف الذي شهده حزبنا تنفيذا للائحة النظامية التي صادقتم عليها في شهر جوان الأخير. وستكون لي الفرصة للتطرق إلى هذا النشاط خلال النقاش الذي سيجمعنا.
ومن جهة أخرى، نجتمع اليوم في خضم ظروف وطنية ودولية ميزتها أحداث عديدة، أوّد أن أقاسمكم بعض الملاحظات بشأنها.


سيداتي، سادتي،
فيما يتعلق بالوضع الخارجي، لازالت منطقتا المغرب والساحل معرضتان إلى تهديدات خطيرة في ظل استمرار التوتر.
فلا تزال ليبيا الشقيقة تعاني من عدم الاستقرار ومن إرهاب "داعش" الذي اتخذ ملاذا منها، فيما يشهد إحلال السلم تأخرا كبيرا في مالي الجار، حيث يستمر العنف والإرهاب.
إنّ بؤرتي التوتر هاتين على حدودنا كلفتا بلدنا ضريبة رهيبة، ظهرت أثارها على الخصوص في كارثة تيقنتورين وفي الاعتداء الوحشي الذي استهدف قنصليتنا بقاو. ولا تزال هاتان البؤرتان تهددان أمن بلدنا وسلامته، ويتأكد ذلك جليا من خلال تدفق الأسلحة الحربية على حدودنا.
إنّ الجيش الوطني الشعبي يتصدى لهذه المخاطر ببسالة ليس لها مثيل وبحرفية عالية. وإذ نحيي هذا التفاني لأشاوس بلدنا، نناشد الجميع كذلك بدعمهم من خلال التحلي باليقظة التامة.


في الواقع، يبقى الخبر المريح الوحيد الذي بلغنا من الخارج في الآونة الأخيرة، هو الاتفاق على تقليص إنتاج النفط بعد انهيار سعر البرميل بشكل قهر اقتصاد البلدان المصدرة له. ويعود للجزائر فضل المساهمة بفعالية في إنجاح هذا الاتفاق. ولا ننسى هاهنا تهنئة وزيرنا للطاقة على هذه النتيجة، حيث يعد كل دولار إضافي في سعر النفط مكسبا ثمينا لبلدنا، على ألاّ يحدّ هذا التطور المحمود من عزمنا وتجنّدنا لمواجهة الوضع المالي الصعب الذي نشهده حاليا.


سيداتي ، سادتي،
إنّ التمعّن في كارثة الإرهاب التي تعصف بمنطقتنا وبمنطقة المشرق وحتى بأوربا، يجعلنا نتوجه بالدعاء للمولى عزّ وجلّ ليحفظ الجزائر من هذه الآفة الوحشية. ويستوقفنا هذا الوضع كذلك لنجدد عرفاننا لرئيسنا المجاهد عبد العزيز بوتفليقة الذي حصّن الأمة من خلال الوئام المدني والمصالحة الوطنية، بعد المأساة الوطنية التي دامت سنوات وكادت أن تستنزف قوة شعبنا الذي قاوم في عزلة من أجل بقاء الجزائر.
إنّ غياب الاستقرار في العديد من الديار عبر عالمنا العربي، يعد دافعا آخر يجعلنا ننوه مجدّدا بالسيد رئيس الجمهورية الذي عرف كيف يقود شعبنا نحو الحفاظ على استقرار وطننا وسلامة بلدنا، بفضل إصلاحات سياسية حكيمة وإجراءات اقتصادية واجتماعية مفلحة. فلنتذكر معا اليوم طوفان ’’الربيع العربي’’ الذي استهدف دولا عربية دون سواها، مخلفا وراءه حتى اليوم تدميرها وتمزيق شعوبها وضرب استقرارها في أحسن الأحوال.
لقد خرجت الجزائر بفضل لله بسلامة من تلك المرحلة، لتبقى موحدة وسيّدة وشامخة. فمؤسساتنا السياسية تجدد دوريا عبر الاقتراع ويتمتع بلدنا بحرية مطلقة في التعبير وبحرية الرأي والمعارضة.
ونعرب في هذا السياق عن ارتياحنا لقرار جل الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية لسنة 2017، في شفافية معزّزة طبقا لأحكام الدستور المعدّل.


سيداتي، سادتي،
تشكل الأزمة المالية تحديا جوهريا يواجهه بلدنا اليوم. وهي جديرة بأن تستقطب اهتمام الجميع. لذا أستسمحكم لتقديم بعض الملاحظات حول هذا الموضوع.
في المقام الأول، نرى في الأزمة الحالية اليوم سببا آخر لتجديد شكرنا وعرفاننا للأخ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو الذي مكنتنا قراراته من مواجهة هذه الظروف الصعبة اليوم، وجعلت الجزائر تبقى سيّدة في قراراتها الاقتصادية والمالية.
بالفعل، يجب أن يعرف أبناء بلدنا بعض الحقائق في هذا الشأن. فبعدما خرجت البلاد من إعادة الهيكلة الاقتصادية في التسعينيات وهي حينها مثقلة بمديونية خارجية معتبرة، سارع الجميع في بداية هذا القرن، حكومة وإدارات ومؤسسات اقتصادية إلى اقتراض 7 ملايير دولار في ظرف 3 سنوات فقط، قبل أن يكتشف السيد رئيس الجمهورية الأمر في سنة 2003 ويمنع منذ ذلك الحين أية استدانة أخرى من الخارج، ويقرّر كذلك تسديد مسبق شبه كلي للمديونية الجزائرية نحو الخارج، بمبلغ يفوق 20 مليار دولار.


وفي المقام الثاني : نعترف للمعارضة بالحق في انتقاد قانون المالية للسنة المقبلة وكذا تعديل قانون التقاعد، وهما نصان زكاهما نواب التجمع الوطني الديمقراطي لأننا نساند الحكومة، غير أننا نطلب منها تقديم حلولها البديلة حتى تجتاز الجزائر صعوباتها المالية.


أما في المقام الثالث، وفي انتظار اقتراحات المعارضة حول الأزمة المالية، يجب أن نذكّر هنا بما تقترحه المؤسسات المالية الدولية على بلدنا.
فتكمن هذه التوصيات الخارجية أساسا في رفع نسب فوائد القرض البنكي وتقليص دعم الدولة للاستثمار وتخفيض قيمة الدينار وأيضا العودة للاستدانة من الخارج وإلغاء كل ما من شأنه حماية الاقتصاد الوطني على غرار قاعدة (51/49%).
ويجب أن نبرز هنا بأن تنفيذ هذه التوصيات الخارجية (التي تبقى مجرّد توصيات كوننا نتمتع بحريتنا المالية) قد يودي إلى تجميد الاستثمار والتوقف عن خلق مناصب الشغل، ويصل الأمر مع هذه التدابير إلى جعل الجزائر رهينة إرادة دائنيها الخارجيين، ويدفعها إلى بيع الأجانب ثرواتنا الوطنية من حقول المحروقات والبنوك والأراضي الفلاحية والمؤسسات الاقتصادية العمومية المربحة مثل التي تنشط في مجالي الطاقة والاتصالات.


وفي المقام الرابع : نسجل أنه عندما تعصف الأزمة المالية بالبلدان المتقدمة، لا تفرض عليها ولا حتى تعرض إجراءات مثل التي اقترحت على الجزائر. بل تنفّذ سياسات أخرى تهدف إلى الحفاظ على ديناميكية التنمية. ونجد أمثلة عن ذلك في القرارات المالية التي اتخذها البنك المركزي الأمريكي والبنك المركزي الأوربي. كما نلاحظ أنه عندما تهدد العولمة اقتصاد الدول المتقدمة، تلجأ هذه الأخيرة إلى إجراءات احترازية وتصبح سياسة ’’القومية الاقتصادية’’ مباحة ومشروعة في نظرها.


وأمام هذا التمييز، يحق لنا طرح بعض التساؤلات :


- ألا يحق لشعبنا أن يحافظ على التنمية الوطنية؟
- ألا يحق للجزائر أن تحمي اقتصادها من خلال "القومية الاقتصادية ؟"
- ألا يحق لنا كجزائريين أن نضع بكل سيادة برنامج عمل يهدف إلى استعادة توازن ميزانية الدولة والحفاظ على توازن المبادلات المالية مع الخارج؟
- ألا يسعنا دعم الاستثمار الوطني دون تمييز بين العام والخاص، وتعزيزه بالشراكة الأجنبية المنتجة بالجزائر، حتى يحل الانتاج المحلي محل الواردات ونصل إلى اقتصاد متنوع ومتحرر من المحروقات؟
- ألسنا مستعدين لحماية سوقنا الوطنية لفائدة منتوجنا المحلي؟
- ألسنا مستعدين لمكافحة المضاربة في السوق ورقابة الأسعار من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطن، والتحكم في التضخم؟


بالنسبة لنا في التجمع، تحمل هذه التساؤلات التحديات الحقيقية التي تواجه اليوم أبناء بلدنا، دون أي تمييز في الفئات أو في العقيدة.



سيداتي سادتي،
إنّ الأزمة المالية التي تعصف بالعالم منذ سنين، والتي بلغت اليوم بلدنا، تستهدف العمال والمالكين، النقابات وأصحاب العمل، الأغلبية والمعارضة، دون تفريق ولا تمييز.
إننا مستوقفون اليوم للتمعن في التجارب التي خضناها في الثمانينات، عندما كان البعض يتسابق إلى الحكم، والبلاد تتخبط في أزمة اقتصادية على حساب الشعب.
كما يجب أن نتذكر اليوم تلك الضريبة الأليمة التي دفعها بلدنا جراء برنامج إعادة الهيكلة الاقتصادية في التسعينات. ضريبة ترتب عنها غلق مئات المؤسسات الاقتصادية وفقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل، وجعلت الطبقة الوسطى تندثر.
ذلكم هو الإرث الأليم الذي تعافت منه الجزائر خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة، بفضل الوثبة الاقتصادية الوطنية التي حققتها تحت القيادة الرشيدة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.فينبغي لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نحافظ على هذه الوثبة لفائدة جميع أبناء وبنات الوطن دون إقصاء ولا تمييز، مادامت الجزائر سيّدة اقتصاديا وماليا.
ويتأتّى لنا ذلك من خلال إجراءات جريئة يجب تحسيس المواطنين بضرورتها. ويستوقف ذلك جميع الأحزاب والنقابات والجمعيات من خلال الوعي بضرورة تغليب المصلحة الوطنية. 
فيتعلق الأمر بوثبة وطنية ينتظر فيها من شعبنا الأبي، الشعب الجزائري البطل، التحلي مرة أخرى بروح المقاومة العريقة لديه، لإنقاذ بلده من المرحلة الصعبة التي يمر بها، من خلال جهوده السخية وتضحياته النبيلة حتى يجعل الجزائر تحقق في بضعة سنوات تنمية قوية متحرّرة من التبعية للمحروقات، تنمية تملك بلادنا جميع الشروط لبلوغها قصد تحقيق الرفاهية المستدامة لفائدة جميع أبناء هذا الوطن.


سيداتي، سادتي،
يرمز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى ذلك النصر الذي حققه أسلافنا المجاهدون الذين حرروا البلد.
كما يعتبر الرئيس بوتفليقة الذي نسانده، النموذج والمثل الأعلى في الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي للبلد، كما ذكرناه أعلاه.
إنّ التجمع الوطني الديمقراطي مقتنع بهذا الخيار، فهي قناعات مدونة في لوائح مؤتمرنا، ومبلورة كذلك في شعار عائلتنا السياسية ’’أمل، عمل، تضامن’’.
نظل مجنّدين لنشر هذا التصور السيادي والحر خدمة للجزائر التي نضعها فوق كل اعتبار.


المجد للشهداء الأبرار،
تحيا الجزائر،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.

تغريدات

ألبوم الصور

المزيد من الألبومات